|
التنور اللغوي الحديث بين النموذج التقليدي والنموذج الناقد وفيقه ابراهيم ايوبمقدمة : في هذا المقال، ستعرض ثلاثة نماذج للتوجه التربوي "التنور اللغوي": التنور اللغوي التقليدي، التنور اللغوي الحديث، والتنور اللغوي الناقد. وسيتم استعراض التعريفات لكل نموذج حسب التسلسل التاريخي، وحسب تطبيقها في البلاد وخارجها. ستعرض النماذج كمرحلة تغيير تربوي يحدث في المدارس منذ اكثر من عشر سنوات، على صعيد التنظيم، الاساليب، البيئة التعليمية، التقييم، الاستكمالات واعداد المعلمين. فقد حظي التنور اللغوي باهتمام كبير، كما حظي بنقد واسع، خاصة من الذين ينتمون للنموذج الثالث الذي يرتكز على أسس فلسفية ناقدة. أما النموذجان الأول والثاني فيطبقان في المدارس، ويشهد على ذلك المشاريع المتعددة في الوسطين العربي واليهودي، مع أن بعض الجوانب المهمة للنموذج الثاني ظلت حصرا على الوسط اليهودي. ما أصبو اليه من خلال هذا المقال هو ان تعرض النماذج الثلاثة بكل أبعادها، وأن نقارن كمربين- بين هذه الابعاد وما نقوم بعمله على ارض الواقع حتى تتضح الصورة، ونعي ما انجزناه، وما تبقى علينا انجازه!
بالرغم من الافكار السائدة حول المدرسة كمؤسسة محافظة، لم يحدث فيها تغيير منذ مئتي سنة، فأن هذا الجهاز يشهد كثافة في محاولات التغيير خلال العقود الاخيرة، وذلك من خلال المشاريع والمبادرات والبرامج التي تشهدها المدارس. فلم يعد من الصعب اثارة حماس المديرين وبعض المعلمين المؤيدين للتغيير بادخال مشروع أو مبادرة لداخل المدرسة. وقد اثبت ذلك في مجالي الرياضيات والتنور اللغوي (לזרוביץ, 2001). وبالمقارنة مع مؤسسات وأجهزة أخرى، فان ما حدث من تغيير في مبنى المدرسة، برامج التعلم وسلوكيات التعلم لدى الطلاب يثبت ان التجديد حدث في المدرسة قبل مؤسسات واجهزة اخرى في البلاد كمؤسسات الخدمات الصحية والاتصال وغيرها(ברנדס, 1996). لكن هذا كله يميز المرحلة الابتدائية بالذات، يقل في المرحلة ما بعد الابتدائية، ويكاد يكون معدوما في الكليات والجامعات. أن التطور في مجال التنور اللغوي جاء للاجابة على النتائج غير المرضية لتحصيل الطلاب، أو للتعامل مع مشاكل التعلم التي يواجهها الطلاب ذوو المشاكل الاجتماعية والاقتصادية، أو الطلاب بشكل عام بسبب التغييرات الاجتماعية التكنولوجية التي تشهدها حياتنا اليومية (צלמאיר, 1996) وقد أعطى هذا المجال مفهوما خاصا للتعامل مع البيئة التعليمية، المعرفة، العلاقة بين المعلم والطالب، وحتى التأثير على أعداد المعلمين.
التنور اللغوي التقليدي: لقد توسع مفهوم التنور التقليدي في البلاد، كما في العالم الغربي، ليشمل التوجهات التربوية التي تنادي بتنمية المهارات الاساسية لدى المتعلم،وتطوير قدرة قراءة النصوص مع التوسع والربط مع التنور الحضاري والاجتماعي. أي ان التعريف لهذا النموذج من التنور يؤكد على استعمال المتعلم للغة حضارته المكتوبة بكل وظائفها المختلفة – الاستعمال الصحيح، وتطوير قدرة الفرد على الكتابة وفهم النصوص. وهو يوازي المصطلح Literacy بالانجليزية و אוריינות بالعبرية (وزارةالمعارف، 1994). لذلك فان اهداف تعلم اللغة حسب هذا النموذج هي اكساب الطلاب ثروة لغوية غنية، مبان لغوية مقبولة، معرفة نصوص من التراث والثقافة تكون مخزونا قابلا للاستعمال والاقتباس في المستقبل (צלמאיר, 1996)، وهذا يوازي بشكل او باخر مفهوم الانسان المثقف التقليدي. وهذا يعني ايضا ان مسؤولية التعليم واكتساب المعرفة ما زال محصورا داخل المؤسسة التربوية الرسمية. فعلى المدرسة ان تتغلب على الفروق الفردية بين الطلاب – الطلاب الذين حصلوا على تربية بيتية متنورة، والطلاب الذين تنقصهم هذه التربية وهذا الوعي (שטאל, 1995). وقد حدد هذا النموذج ثلاث مستويات للتعلم: مستوى الحد الادنى، المستوى المتوسط، مستوى العد الاعلى. وتحدد هذه المستويات بواسطة المسح الصفي بأنواعه المختلفة (مثل برنامج سوية وامتحانات المهارات المختلفة). ومن خلال اطار المستويات يتحسن الضعفاء الذين يستطيعون الوصول لتحصيلات عالية (وزارة المعارف 1997).
التنور اللغوي الحديث: منذ عشر سنوات، اصبح التنور اللغوي الحديث رسالة وزارة المعارف، خاصة ضمن عمل قسم التعليم الابتدائي. وقد خلق هذا العمل واقعا جديدا في عدد كبير من المدارس الابتدائية. فمنذ صدور منشور المدير العام (1991)، عرف الطالب كمتعلم وطورت البيئة التعليمية لتدعم هذا التعريف، وكثر الجدل حول اساليب تدريس واكتساب القراءة، واستبدلت طرائق التعليم حسب المهارات بطريقة شمولية اكثر لفهم الطالب كمتعلم فعال ومبدع. القارىء الماهر اصبح هدفا للتنور اللغوي الحديث، وحددت انماط وسلوكيات هذه القراءة بالعصف الذهني، خارطة مصطلحات، التنبؤ بفحوى النص، التخمين بانواعه، القدرة على الاتصال مع النص حسب أهداف الكاتب، وتذويت مهارات واستعمالها في مواقف مشابهة للتي يمر بها المتعلم اثناء اتصاله مع النص. وقد برز ضمن التنور اللغوي الحديث اصحاب نظرية اللغة كوحدة (שפה כמכלול) الذين نادوا باتاحة الفرصة للطالب المتعلم بالاستمرار في التطور الطبيعي، فمن خلال علاقته بالبيئة يستطيع أن يكون متنورا(غودمان، 1992). وهذا يفسر مراحل اكتساب اللغة حيث تبدأ العلاقة اللغوية مع بيئة الكبار بشكل طبيعي، يكتشف المتعلم القراءة والكتابة، توفر المدرسة استمرارية التعلم بشكل طبيعي (يلعب ويتعلم ضمن بيئة تعليمية داعمة للقراءة والكتابة) حتى يتمكن من اللغة ويستعملها للتمتع والنقد والابداع. من هنا نبعت اهمية سيرورة التعلم والبيئة التعليمية التي تؤكد على ان المعلم موجه وليس مصححا للاخطاء! لذلك من واجبه اقتراح حلول عديدة، ومساعدة الطالب على اكتشاف اخطائه بنفسه، وهذا يعطي معنى اخر لمفهوم التقييم حيث اصبح غير مباشر، ويعطي للطالب دورا في ذلك حيث يكتشف اخطاءه من خلال رد فعل المعلم او الزملاء او الأهل. وهكذا نرى أن المدارس التي طبقت التنور اللغوي الحديث زادت من استعمال كتب القراءة المختلفة، والنصوص المتنوعة، واصبحت المكتبة الصفية جزءا من غرفة الصف. اما القراءة فقد ازداد استعمالها بنوعيها – الجهرية والصامتة، وأصبحت القراءة الحرة والقراءة الموجهة يومية، وادمج الحاسوب منذ الطفولة المبكرة كوسيلة لاكتساب القراءة والكتابة. أما تأثير الخلفية البيئية – الاجتماعية والثقافية – البيتية على الطالب فقد اخذت مفهوما جديدا، وكل هذا ساعد على تطوير مدارس جماهيرية، وتطوير علاقة البيت والمدرسة حيث أصبح للاهل دور مهم في الحياة المدرسية. لكن كل ما تقدم صحيح ويعكس بصورة كبيرة ما يحدث في الوسط اليهودي، وليس ما يحدث في الوسط العربي (לזרוביץ,2001). كما تشير لزروفيتش الى التغيير الذي حدث في طرق التقييم وطرق بناء الامتحانات حيث اصبحت الاسئلة مفتوحة، واصبح التركيز في التقييم على مراحل سيرورة التعلم، وليس فقط النتيجة النهائية للتعلم. كل هذا ادى الى توظيف موارد كثيرة في أعداد المعلمين والمرشدين للعمل في مجال التنور اللغوي الحديث،وبذلت جهود كبيرة من اجل تذويت بدائل في التعليم والتقييم مثل التعلم الفعال، التعلم الذاتي، البحث، التعلم متعدد المجالات، محورة التعليم، التعلم التعاوني وغيرها (גלובמן ועירן, 1999). وبرز ايضا مظهر اخر لهذا التغيير، وهو وجود مجموعات حوار اكاديمية في موضوع التنور اللغوي، وعلاقة هذه المجموعات بالحقل وما يجري فيه مثل جمعية (סקריפט) التي تقوم بنشر مجلة متخصصة بموضوع التنور، وعلاقة جامعة حيفا مع المدارس بمشروعي אל"ש و הצלחה לכל، والابحاث الميدانية التي رافقت هذه المشاريع. النقد الاساسي لكل ما يجري في التنور اللغوي الحديث، هو تطبيق التنور بتوجه واحد وبطريقة واحدة، بالاضافة لانعدام المتابعة والتقييم لتحصيل الطلاب.
النموذج الناقد للتنور اللغوي: أن هذا التوجه لم يأخذ مكانا في جهاز التعليم في البلاد، كما في العالم الغربي. وهو ينظر الى الواقع الاجتماعي كوضع سياسي اساسه العلاقة بين القوة والمعرفة، وهذا يعني ان التنور اللغوي يوجه الوضع السياسي، وصراع القوى هو الذي يسهل على مجموعات معينة اكتساب العلم والمعرفة، ومن ثم قوة التأثير وتجاوز مجموعات اخرى لا تملك هذه القوة، ولا تستطيع اكتسابها. لذلك فان التنور اللغوي الناقد يتعامل مع عدم المساواة بين مجموعات المجتمع المتنافسة، ولا يميز بين تربية شعبية وتربية عليا. فتفجر المعرفة ووسائل الاتصال جعلت المعرفة متاحة لكل من يرغب بها. وقد تعرض التنور اللغوي الحديث لنقد واسع على يد المتنورين الناقدين الذين نعتوه بسياسة "انتاج مجال جديد في الصناعة الثقافية في البلاد بسبب انعدام الحوار المتنور، والنظرة الناقدة على المعرفة والنصوص المسيطرة، و عدم اعطاء الفرصة لاصوات اصلية لمجموعات ليست في الواجهة السياسية (גור זאב, 1999؛ 1995؛ לזרוביץ,1997). " فالقوة المحررة – المعارضة للتنور اللغوي قد ذابت في خضم هذا العمل الناشط، والذي שריג, يحظى بمعارضة ليست قليلة في مجتمعنا (לזרוביץ,2001). ومن التحفظات التي يبديها المتنورون الناقدون من التنور الحديث، هو التحفظ حول موضوع شمولية اللغة (שפה כמכלול)، ويرون خطورة هذه الطريقة بانها تموه وتبلبل الفروق الاجتماعية، وتوهم العاملين بها انهم يخلقون دمجا اجتماعيا حقيقيا. وشخصية الطالب المتطو المقترحة يمكن ان يتضامن معها الطالب من الطبقة الوسطى والفقيرة وليس الطالب من الطبقة الغنية. فوظيفة التنور اللغوي تطوير طالب يسال حول الوضع الاجتماعي الذي يعيشه، اي لا يبقى في المرحلة النظرية، وانما ينتقل للتفكير التطبيقي المتعلق بحياته السياسية والاجتماعية.وهذا يقال ايضا في موضوع اعداد المعلمين، حيث تفقد عملية الاعداد جوهرها اذا لم يكن ربط بين النظرية والتطبيق، او بكلمات اخرى، اذا لم يحصل المعلم المتدرب على ادوات متعددة تساعده على فهم التطبيق العملي وتنفيذه. لذلك عملية اعداد المعلمين، حسب النموذج الناقد، تعطي الفرصة للمعلمين لاجراء حوار رفلكتيفي، يستطيعون من خلاله ابداء رأيهم واسماع صوتهم، ويشعرون بالتطور والتحرر حتى يستطيعوا تحرير طلابهم وزملائهممم. والحوار يتطور من حوار بين طالب ومعلم الى حوار بين ثقافات مختلفة - عليا ودنيا، غربية وشرقية، رجولية ونسائية، تاريخية ومستقبلية، حتى نخلق واقعا ومجالا للتنور الناقد من اجل ان يتحقق (צלמאיר, 1996). تلخيص واستنتاجات: مما تقدم يمكن القول ان المدارس في البلاد موجودة في مرحلة التنور الحديث وليس الناقد. فالتنور السائد في المدارس يعتمد على تطوير وتحسين مراحل اكتساب القراءة والكتابة والمعرفة، وهذا ينعكس بادخال طرق تعليم جديدة وتنظيم جديد للصف، ونصوص ومضامين متجددة بالاضافة للمتابعة وبدائل في التقييم (זילר, 1993؛ וולדן, 2000). وقد جاء كل هذا في منشور المدير العام (رقم 4) (1991)، وما زال هذا المنشور يعتبر اساسا فلسفيا وتربويا لسياسة وزارة المعارف، وقسم التعليم الابتدائي. لكن اذا كان التنور الحديث هو المرحلة التي تسبق التنور الناقد، فيمكن القول ان المدارس في مرحلة التهيئة، او ما قبل الانفتاح لتجاوز الحدود بين انواع الثقافات، واقتحام التكنولوجيا للنص المكتوب وربطه بوسائل الاعلام المختلفة. أما المعلمون فسيستمعون للطلاب بدون تصحيح الاخطاء، سينظمون مشاركة بين الطلاب لتطوير افكار جديدة، وبين المعلمين والطلاب، وبين المعلمين والباحثين. كما ستتطور بدائل في التقييم، فيقيم الطالب النصوص التي يتعامل معها، وسيحتل الحوار الجزء المهم في مراحل التعلم لذلك يعد المعلمون للتفكير الانعكاسي وتوثيق أعمال الطلاب. بقي أن نسأل: هل يشجع المبنى العرقي والسياسي والاجتماعي في البلاد على الانتقال من مرحلة التنور الحديث الى مرحلة التنور الناقد؟ أم سنكتفي بمقتطفات منه،وندعي وصولنا اليه! المراجع 1. وزارة المعارف والثقافة والرياضة التربية للوعي القرائي. (1994– قسم التعليم الابتدائي والتفتيش على اللغة العربية، القدس. 2. التربية للوعي القرائي في المدارس العربية الابتدائية. (1997) وزارة المعارف والثقافة قسم التعليم الابتدائي والتفتيش على اللغة العربية. 3. ברנדס,ע. (עורך) (1996). הקפיצה השלישית .ירושלים: משרד החינוך,התרבות והספורט. 4. גור זאב, א. (1999). מודרניות, פוסט – מודרניות וחינוך. תל- אביב: רמות. 5. גלובמן,ר. ועירן, י. (1999). התפתחותה של ההוראה במוסדות החינוך הישראלי. תל-אביב: רמות. 6. וולדן,צ. (2000). דבר ומעשה. ירושלים: מכללת בית בירל – משרד החינוך. 7. זילר, א. (1993). אוריינות בבית הספר היסודי. הרצאה בכנס SCRIPT 8. חוזר מנכ"ל (1994). שיטות הוראה: תמונות מצב. ירושלים: משרד החינוך, התרבות והספורט. 9. לזרוביץ, ר. (1997). פדגוגיות חדשניות – מקבץ מאמרים. אוניברסיטת חיפה, הפקולטה לחינוך. 10.לזרוביץ, ר. (2001). פדגוגיות ביקורתיות וחדשניות ומקומן בבית הספר ה ישראלי – בשנות האלפיים. אוניברסיטת חיפה. 11.לזרוביץ, ר. שדל, ב. (1998). " תוכנית הצלחה לכל ואוריינות בלמידה שיתופית " אוניברסיטת חיפה. 12.נוי, ב. (1992) . עקרונות יסוד בתהליך שיתוף הורים בבית הספר. עיונים בחינוך, ספטמבר. 13.צלמאיר, מ. (1996). ההגיונות הסותרים באוריינות. עיונים בחינוך,נובמבר. 14.שטאל, א. (תשנ"ה). לדעת ולדעת לעשות: אוריינות תרבותית ומיומנויות בסיס כמטרות מינמום לימודיות. ירושלים. בי"ה לעובדי הוראה. 15.שריג. (1995). אוריינות עיונית במערכת נורמות לטיפול יצירתי ורפלקטיבי בידע. חלק לשון 22. 16. Feitelson, D. (1988 ). Facts and fads in beginning learning: A cross - Language perspective. Norwood, NJ: albex.
17. Hertz-Lazarowitz, R. (2001). Success For All (SFA) in Israel: A Ccommunity Research and Evaluation Modle (Eds). Success For All: Reaserch and Reform in Elementary Education. NJ: Erlbaum. |
|||
|