الصفحة الرئيسية
 

إن البيئة التربوية لا تقتصر على البيئة المادية فقط، بل تتعداها لتشمل البيئة البشرية أيضاً، ولعل المربية  هي أهم عناصر البيئة البشرية. فطريقة تدخل المربية ومقدار تدخلها الكمي والنوعي يؤثران على الأحداث التربوية، لذلك فإن وعي المربية لأهداف التربية في جيل الطفولة المبكرة حيوي ومهم جداً.

تدخل المربية مرتبط إرتباطاً مباشراً مع تأهيلها ورؤيتها التربوية ويتحدد بواسطة هذه الرؤية، فبإمكانها أن تتدخل بشكل غير مباشر كتدخلها بتنظيم البيئة المادية، أو بشكل مباشر بواسطة السؤال أو الملاحظة أو التشجيع... الخ

على المربية أن تتعامل مع الطفل كوحدة واحدة فهي تعمل على إشباع حاجاته الأساسية، وتعمل على توفير التجارب التي تساهم في تنمية جميع محالات النمو. وعلى المباراة أن تهيئ الجو الحر في الروضة، فالجو الهادئ والمريشح في الروضة يساعد الطفل على التجربة والتعلم.

على المربية أن تكون الإنسان الداعم والمشجع، تنمي الثقة وتظهر للطفل أنه مقبول على علاته، لذا فهو آمن وغير معرض للخطر وهذا ينمو عن طريق الإهتمام بإشباع ما ذكر من حاجات أساسية وتوفير ردود فعل إيجابية وناجحة.

المشاركة في عالم الطفل

مشاركة المربية في عالم الطفل تغنية وتنوعه، وتساهم في تذويت المعلومات التي يكتشفها الطفل من خلال تجاربه. عليها إيجاد الطريقة للوصول إلى عالم الطفل، هذا لا يعني أن تأخذ مسؤولياته عنه وتعمل بدلاً منه، بل توفر له إمكانيات للتجربة والحل وتتدخل للإرشاد، التشجيع، الدعم والتوجيه. على أن يكون هذا التوجيه مقدما بشكل يضمن للطفل حرية التجربة والتفكير المستقل، المربية تشجع التعاون والمشاركة بين الأطفال.

التداخل (المشاركة)

ترتبط عملية التعلم بسياقها الإجتماعي والتربوي بالدرجة الأولى، وظيف المربي تتضمن التوفيق بين إتجاهين في النمو  الذهني يتلخصان في توجيه المحسوس إلى المجرد ومن المجرد إلى المحسوس.

  • عملية التعليم عملية متعددة الإتجاهات، يشارك فيها المربي والطفل على حد سواء، (الطفل هنا ليس مجرد متلقي سلبي، إنما هو أيضاً مشارك فعال).

  • أحد أهداف العملية التربوية حسب فيجوتسكي، منح المتعلم أدوات معرفية تتشكل من مفاهيم أولية ومركية، رموز، علامات، معادلات، آليات تفكير متعددة وغيرها.               تقوم هذه الأدوات المعرفية المكتسبة بدور الوسيط (الداخلي) بين المحفزات من جهة وردود الفعل من جهة ثانية. تجدر الإشارة أن بياجيه كان قد أطلق تعبيرات مثل: مخطط أو تصميم أو تمثيل على مصطلح الأدوات المعرفية.

  • تحدث فيجوتسكي عن ثلاثة مراحل نمو، تتدرج بدءاً مما أسماه مرحلة النمو الآنية نحو مرحلة النمو القريبة (بمعنى أن هذه المرحلة تتضمن الأهداف القادمة الأقرب التي ينبغي تحقيقها) ومن ثم نحو المرحلة الأخيرة، "مرحلة النمو البعيدة" التي هي مرحلة بعيدة المدى تتوصل إليها تدريجياًً عبر تجاوز المراحل القريبة تباعاً.

بوير شطاين

  • يؤكد بوير شطاين على تبني المؤسسة التربوية (كما يتمنى لها أن تكون للمبادئ التي من شأنها أن تساهم في خلق إنسان).

  • يؤكد كذلك على أهمية تدعيم الدوافع التي ترتكز إليها رغبة الإنسان في الغيير.

  • كما يؤكد على العامل الإجتماعي - البيئي في تكوين مفاهيم الإنسان وسلوكياته.

  • الإنسان قابل للتعامل مع المتغيرات على إختلافاتها في حياته وتفكيره.

  • لا يمككنا فهم الطفل وفهم كيفّية التعامل معه إلا من خلال فهم "المبدأ التكاملي" الذي يحدد جميع محاور هذه العلاقة أو تلك. فالمبدأ التكاملي، مصطلح نشأ في علم الفيزياء، وإنتقل كمبدأ بحث لمجالات أخرى تحت مسميات أخرى، ومن هذه المجالات التربية، وذذا ما يعنينا هنا.

يتلخص مبدأ التكاملية في الفكرة التالية: أن لا مجال لنا في رصد موضوعاتنا المعنى بها دون إحداث تغيير عليها، لذلك فإن النتائج التي نحصل عليها لا تشكل بالضرورة معلومات "موضوعية". والأكثر من ذلك أن سيرورة رصدنا وتعاملتنا مع موضوعاتنا (وفي حالتنا هذه هو الطفل)، وقد تؤول إلى تغييرات في الراصد أو الباحث نفسه (وهنا هو المعلمة أو المربية)، لذلك فإننا عندما نختزل دورنا التبوي في كونه "عملية وساطة" ترتكز إلى مبدأ التجربة والخطأ، ومبدأ المسألة والشك، ومبدأ الإنفتاح على مختلف الإحتمالات إلخ.... "ليست عملية تلقين" ترتكز إلى ما يتناقض مع ذلك كالمباشرة، اليقينيات، الإملاء التعسفي، والإجابات غير قابلة للنقاش والتشكيك، وما إلى ذلك... فإننا بهذا، أي بتبني مبدأ المشاركة في التربية،، علينا أن ننتبه إلى آليات "التكاملية" كنظرية مبدئية ومعنى ذلك أن ندقق في العناصر التالية:

  1.  مراجعة وإعادة النظر دائماً بالأدوات والوسائل التي نستخدمها في رصدنا ومعاملتنا مع الطفل.

  2. التعامل مع الطفل أو "موضوع الرصد" على أنه عامل أو كيان قابل للتغيير والتحولات..

  3. الإنتباه إلى "الراصد" نفسه الذي لا يخل من إمكانية التعرض إلة تغّيرات خلال عملية الرّصد أو بعدها.

بموجب هذه النقاط الثلاثة، يستوجب تطويع جميع العناصر: الراصد (الوسيط) وموضوع الرّصد (الطفل) وأدوات الرّصد أو المعالجة، كل منها لأجل الآخرين. وبذلك نحن أمام عمليّة تربية تشارك فيها جميع عناصر الدائرة المكونة لها.

موقع موضوع التعلم في شبكة المفاهيم:

من المهم أن نربط موضوعات التعلم بشبكة من المفاهيم التي من شأنها أن:

  1. توسّع الدائرة المعرفية النتعلّقة بالموضوع.

  2. يرتبط الموضوع بمفاهيم قائمة في ذاكرة الطفل ودائرة معارفه، مما يضفي على الموضوع أبعاداًُ ذاتّية من شأنها تقريب إهتمام الطفل منه.

  3. ما تم ذكره حتى الآن، من شأنه أن يخلق تداعيات خواطر مستقبلية مرتبطة بالموضوع، قد تساهم في بلورة موفقة أو شعوره تجاهه،فوجب التنويه.

عملية التجاوز:

مفهوم التجاوز في التربية وخارجها عام وشامل، لكننا نخص هنا بالحديث نقطة محددة تتلخص في إستخدام الضروريات لتعلم ما هو أبعد من ذلك، مما يوسّع دائرة الضروريات ومستواها.

ولشرح الموضوع، سأستخدم هنا مثالاً بسيطاً على إستخدام "عمليّة الإطعام" كضرورة معيشيّة أساسيّة لا يستغني عنها أي طفل، كوسيلة لتمرير مفاهيم ومعلومات وتجارب أبعد من عمليّة الإطعام نفسها.

فأثناء عملية الطعام (ولا نستبعد هنا ترغيب الطفل بالطعام كهدف)، يمكن للوسط (الأم، المربية..) أن يحّدث الطفل عن الأطعمة أو ألوان الطعام أو أنواعه أة مفاهيم مثل دافئ وبارد.... أو التحدث عما يأكل الحيوان كذا أو النبات كذا الخ......

في هذه العملية يتحول الفعل الأصلي والهدف المباشر الأول إلى وسيلة ترغيبية وتثقيفية تتجاوز الهدف الأساسي وهو الإطعام. كذلك فإن إحاطة الطفل لوجبات من المعرفة والتجارب الحياتيّة إنما ترفع مستوى الضروريات من مستوى الغريزة إلة مستوى الإحتياجات الروحية والذهنية.

من المهم تدعيم إحساس الطفل بحاجته الدائمة إلى تحديات جديدة ومواجهة مشكلات لم يسبق له أن تعامل معها. والأهم من ذلك تدعيم الشعور باللذة جراء النجاح في تفكيك المصاعب وإنجاز المهمات الملقاء على عاتقه.

من هنا، فإن التركيز على لحظات النجاح أمر في غاية الأهمية لأنها توفر الفرصة لنا لتدعيم بعض المكونات الهامة في مفاهيم الطفل وشخصيته:

  1. توضيح أسباب النجاح وتأكيدها وتبيتها في الذاكرة والتجربة الشخصية للطفل.

  2. إستغلال النجاحوما يصاحبه من متعة لتزويد الطفل بالمزيد من عوامل النجاح والأدوات التي تعينه في إنجاز مهمات جديدة في المستقبل.

  3. التأكيد على نتائج النجاح وخصائصها التي من شأنها أن تضيف إلى شخصية الطفل، الأمر الذي يدفع الطفل إلى مزيد من الرغبة في الحصول على لحظات مماثلة.

كما من الهام التعرف على كيفية التعامل مع لحظات النجاح وإستنفاذها، فإنه من الضروري كذلك تطوير طرق تعاملنا مع لحظات الفضل. ربما من الأفضل التعامل مع تجربة فاشلة على أنها وسيلة للتعلم وتجاوز الخطأ، وذلك من خلال إستعراض أسباب الفشل وكيفّية تجنبها في المستقبل، وبالتالي تعزيز قدرة الطفل على فهم خطأه بنفسه وإكسابه آليات تفكير تساعده لتجنب أخطاء مستقبيلة مشابهة، ومن جهة أخرى عدم تحويل لحظة الفشل إلي وصمة إحباط في ذاكرة الطفل مما قد يؤدي لفشل  أكبر جراء فقدان الطفل الثقة بنفسه وبما يحيطه.

 

المصادر:

التعلم بالمشاركة - البروفيسور بيرشتاين "مجلة صدى التربية"

كتاب الروضة - الآنسة نبيلة إسبنيولي

كتاب ولد حكيم أكثر - الدكتورة بنينا كلاين

 

 

الدكتورة هاله إسبنيولي

 

 

 

 

 

الصفحة الرئيسية