الوعي القرائي في جيل الطفولة المبكرة

التوجّه البيئي

الصفحة الرئيسية

ما هو الوعي القرائي؟
الوعي القرائي في الطفولة المبكرة:
جوانب أخرى للعمل في الوعي القرائي في البستان
القيمة المضافة للتعامل مع الوعي القرائي
توجه بيئي وتعدد حضاري

الدكتورة--حافاتوفال 
برنامج اللقب الثاني للطفولة المبكرة
الجامعة العبرية
أعدته في العربية:  هالة اسبانيولي

لقد دار في الفترة الأخيرة نقاش حاد حول التوقيت المناسب للبدء في عملية تعليم القراءة، وهناك من نادى بضرورة تعليم القراءة ابتداء من صف البستان.

ولمواجهة النقاش في هذا الموضوع، سأحاول توضيح التوجّه البيئي للوعي القرائي في الطفولة المبكرة، وتأثير ذلك على الحقل. لذلك من المهم توضيح بعض المصطلحات: توجّه بيئي، وعي قرائي.

تهتم النظرة البيئية في بحث العلاقات المتبادلة بين الكائن الحي وبيئته. وتعتمد على فرضية أساسية: ان كل عمل انساني يتم ضمن سياق اجتماعي، حضاري مركب ودينامي، ويتأثر من عدة عوامل: بيولوجية، فيزيولوجية، نفسية، اجتماعية وحضارية. ونتيجة لذلك شدّد العالم النفسي Ulric Neisser 1982 على أهمية الابحاث من خلال البيئة الطبيعية. وهناك العديد من الاخصائيين النفسيين الذين يشاركونه الرأي ويتحدثون عن "علم نفس حضاري"(Cole, 1996) وعن "معرفة مرتبطة بالواقع" "קוגנציה מהוקשרת" “Situated Cognition   Lave,  )  1993). والعامل المشترك لجميعهم هو: التوجّه البيئي تجاه موضوع البحث.

ويشدّد هؤلاء الباحثون على ان المعرفة غير منفصلة عن الظروف، الفرص والفعاليات التي تولّدها وتنتجها. ((Brown, Collins, and Duguid 1989.

مرجريت دونلدسون وفي كتابها عن "تفكير الاطفال، 1978" تعطي العديد من الامثلة والابحاث التي تؤكد أيضا انه لدى فحص الوظائف الفكرية لدى الاطفال في المختبرات فان نتائجهم تكون متدنية عندما يطلب منهم القيام بمهام غير مرتبطة ببيئتهم. وهذا ما أثبتته من خلال إعادة تجارب بياجيه بالنسبة لحفظ الكمية، ادراك العلاقة بين الكل والجزء وغيرها. فعندما أعطت الاطفال مهاما ذات مصداقية بيئية، أي مرتبطة بحياتهم وذات معنى بالنسبة لهم، كانت نتائجهم أفضل من المهام الاصلية التي لا يوجد لها مصداقية بيئية.

كما وجد العديد من الباحثين في مجال اختبارات القدرات المعرفية، وقدرات التذكر لدى الاطفال بأن تنائجهم تكون متدنية عندما لا تكون المهام مرتبطة ببيئتهم.

في مجال الوعي القرائي أجري كذلك العديد من الابحاث التي لا يوجد لها مصداقية بيئية، حيث طلب من الاطفال تشخيص كلمات منفردة أو كلمات غير أساسية في النص،  ولم يطلب منهم قراءة النص الكامل. فمن خلال قراءة النص الكامل يطلب أيضا من الاطفال تشخيص كلمات منفردة، ولكن هذه الكلمات تكون ذات معنى، لانها مرتبطة بسياق النص.

لذلك فان أي استنتاج مبني على تلك الابحاث هو استنتاج غير علمي ولا يمكن تطبيقه على وضع تعليم القراءة في الصف. لان تلك الابحاث تعاملت فقط مع جزء من المتغيرات التي لها علاقة بالموضوع.  وان بناء أي برنامج تدريسي معتمد على تلك الابحاث، ينقصه التوجّه البيئي، ويُقصِر عملية القراءة الغنية والمركبة على أنها عملية آلية لتحليل الرموز. لذلك فان أي سياسة تربوية مسؤولة يجب أن تأخذ بالحسبان جميع العوامل التي تتعلق بعملية القراءة: النفسية، الاجتماعية والحضارية. أي يجب أن تعتمد التوجّه البيئي.

حسب هذا التوجّه فان التعلّم والمعرفة يحصلان ضمن سياق اجتماعي، مادي وحضاري، وبتعاون بين أصحاب قدرات، خلفيات، ووجهات نظر مختلفة.

هذه الرؤيا للتعلّم تولّد توجها تربويا يدمج بين "العمل المرتبط بالموقف" "עשייה מהוקשרת" Situated practice  وبين "التعليم الواضح" "הוראה מפורשת" Explicit teaching  (Cope & Kalantzis, 2000)   .

1.        العمل المرتبط بالموقف- له هدف محدد وفيه يكون المتعلم منغمسا في العمل ومنشغلا في مهام ذات معنى بالنسبة له. يتم التعلم من خلال التجربة، وظيفة المرشد أن يكون قدوة. لنأخذ مثالا في مجال الوعي للمادة المكتوبة: عند تحضير حفلة في البستان، تقوم المربية مع الاطفال بتحضير قائمة مكتوبة لجميع لوازم الحفلة، وهكذا يتضح للاطفال ماهية استعمال اللغة المكتوبة. وعندما تقوم المربية مع الاطفال تحضير لوازم الحفلة بالاستعانة بالقائمة المسجلة، يتضح لهم أهمية المادة المكتوبة وفوائدها.

العمل في مثل هذه الحالة يكون مرتبطا بحياة المتعلم، وغالبا ما يكون مرتبطا بأمور معروفة وهامة للاطفال.

الحسنات الرئيسية "للعمل المرتبط بالموقف" بأنه يعتمد على "تدعيم المتعلم"  העצמהEmpowerment ويعطيه الدافعية للعمل والتعلّم، ويوفر له الادوات اللازمة لتحقيق أهدافه.

أما النواقص فهي:

أ‌-                         هناك بعض المتعلمين الذين يحتاجون الى بعض التدخل من المرشد من أجل تركيز عملهم، وهم يحتاجون أحيانا الى عملية "تعليم واضحة" من أجل تنظيم المضامين لديهم.

    من الضروري التذكير بان "الجهاز البيولوجي" اللازم لعملية تعلّم اللغة الشفوية، غير كاف تماما من أجل تعلّم اللغة المكتوبة. وفي حالات التي تكون بها اللغة هجائية مثل العربية والعبرية، فان تعلّم اللغة المكتوبة لا يتم بطريقة استنتاجية وانما استقرائية. (Byrne, 1998).ت "العمل المرتبط بالموقف" لا يؤدي الى سيطرة واعية على المعرفة المكتسبة، ولا يوصل حتما الى الوعي النقدي والى عملية "الاعتكاس"  "רפלקציה" التي تحوّل المعلومات الى فعل.

ولذلك ولتحاشي النواقص أعلاه  وللمحافظة على التوازن جاءت عملية:

2.     "التعليم الواضح" والتي تهدف الى سيطرة المتعلم على المادة المكتسبة. وهي تتطلب تدخلا فعالا من المربي/ة والمختصين/ات. هذا التدخل يؤدي الى وعي للقواعد والقوانين، ومن ثمّ الى تنظيم المعرفة.  قد تحدث عملية "التعليم الواضح" ايضا في مضامين ذات معنى للمتعلّم. مثلا: عندما يطلب الاطفال مساعدة المرشدة بالنسبة لطريقة كتابة كلمة معينة، عندها تستطيع المرشدة أن توجههم الى قانون مناسب، أو تعطيهم مثلا لكتابة كلمة شبيهة وغير ذلك.

 

ما هو الوعي القرائي؟

هناك عدة تعاريف، ولكنني سأتبنى التعريف الذي يحدد بأن الوعي القرائي يتمثل بقدرة الانسان على استعمال "رموز على الورق" أو "رموز ألكترونية" من أجل تفاعل ناجع مع بيئته أو مع ذاته.

وعندما نقول: "رموز على الورق" نعني بذلك ليس فقط الكلمات المكتوبة وانما أي شكل هندسي أو جرافي مثل: الصور، الاشارات، الخرائط، الرسومات البيانية، الرموز الحسابية، الرياضية والموسيقية وغيرها. أي ان الوعي القرائي يشمل موادا مكتوبة قد تكون كلامية أو غير كلامية.

 

ويسأل السؤال: ما هو التفاعل الناجع وكيف يقاس؟

 في رأينا ان المقياس هو مدى نجاح الفرد في تحقيق أهدافه من خلال استعمال المادة المكتوبة.

مثلا: اذا كان هدف أحد الاشخاص من قراءة كتاب هو المتعة، فان تفاعل هذا الشخص مع بيئته (الكتاب) يكون ناجعا اذا استطاع قراءة الكتاب بسهولة وبدون صعوبات وشعر بالمتعة. أما اذا كانت عملية القراءة بطيئة وصعبة ومعقدة فانه لا يحقق المتعة بذلك. من هنا يمكننا أن نقول: ان عملية تفاعل هذا الشخص مع بيئته لم تكن ناجعة. أي أنه من أجل نجاعة التفاعل مع البيئة (بواسطة المادة المكتوبة) من الضروري أن تكون هذه المادة عملية وسهلة المنال. وفي مثل هذه الحالة يتمكن الفرد مما يلي:

أ‌-         اتساع الفكر: ان عملية توثيق المعرفة كتابيا تجعلها مستديمة، مما يمكن الفرد أن يقرأ هذه المادة عدة مرات يأخذ منها ما يريد ويترك ما يريد، أي أنه يستطيع ان يطوّر الفكر النقدي تجاه المادة المكتوبة. كما وتمكّن المادة المكتوبة الفرد من القيام بعمليات فكرية معقدة ومركبة أكثر ولا يستطيع القيام بها فيما لو كانت المادة شفوية فقط (مثل القيام بعملية حسابية طويلة وغيرها).

ب‌-    التشارك الفكري: تمكننا المادة المدوّنة من التشارك فكريا مع أناس مختلفين قد لا يرتبطوا مع بعض من حيث الزمان أو المكان. فمثلا توثيق النتاج الفكري لأحد الفلاسفة القدماء يمكّننا من قراءة نتاجه ومشاركته أفكاره. وحسب قول كلارك (1997) فان اللغة تمكّن من "اختزان الافكار" ونقلها عبر الاجيال وبين البشر. هذا التشارك يساعد أيضا على اتساع الفكر الذي تحدثنا عنه سابقا.

ت‌-      توجيه الفكر: (ويشمل- ادارة ذاتية، توجيه ذاتي، تنظيم ذاتي، تخطيط، رقابة، ونقد) جميع هذه الامور تتم من خلال المادة المكتوبة التي يسجلها الفرد لذاته. مثل- دفتر يوميات ، دفتر أرقام هواتف أو أي سجلات أخرى.

 

هذه الرؤيا للوعي القرائي هامة جدا في عصر العولمة الذي يكثر به استعمال الرموز غير الكلامية. مما يتطلب التعامل مع هذا الامر في المدارس. كذلك هذه الرؤيا هامة للطفولة المبكرة لانها تزيد من الادوات الموجودة لدى الاطفال للتعامل مع الوعي القرائي. أي ان الاشكال المتعددة للتوثيق تجعل من اللغة المكتوبة غير الكلامية أداة عملية للاطفال في جيل مبكر- أي الجيل الذي لا يستطيعون به التعامل مع اللغة الكلامية المكتوبة.

وعند محاولتنا ترجمة هذه المبادىء الى عمل مرتبط بالتوجّه البيئي نستطيع أن ننتقل بالوعي القرائي من عملية اكساب المهارات المرتبطة بالقراءة والكتابة، الى مجموعة من الفعاليات الاجتماعية المرتبطة بالرموز. (Barton, 1994) وفي هذه الفعاليات لا ننسى اننا نتعامل مع رموز، الامر الذي يتطلب قدرة على حلّ الرموز وتفسيرها، ولكننا لا ننسى أيضا اننا نتعامل مع فعاليات اجتماعية، الامر الذي يتطلب التعامل مع الاهداف ومع جميع العوامل الاجتماعية-الحضارية التي لها علاقة بهذه الفعالية. مثلا: اكساب مهارة (معرفة الرموز الهجائية) لا تأتي على حساب الفعالية الاجتماعية (اللعب مثلا) الا من خلال دمج الواحد بالآخر. (B. 1990 (Rogoff,

Vygotsky (1978)   يؤكد هذا الرأي أيضا فهو يقول: ان العمليات العقلية العليا (بضمنها الوعي القرائي) تتطور من خلال المواقف الاجتماعية التي يتم بها التعاون. فأي حدث من هذا النوع مرتبط أيضا باللغة هو حدث تابع للوعي القرائي. אירועים אורייניים.

 

في مثل هذه المواقف تكون للغة وظيفتان:

أ‌-       انها تمكّن الفرد من القيام بالمهمة (مثلا: قراءة تعليمات من أجل تركيب جهاز  لا
            تعرف عنه شيئا).

ب‌-   تساعد على القيام بالمهمة بشكل أنجع. (مثلا:  قراءة تعليمات من أجل تركيب     جهاز تعرف عنه بعض الشيء).

أما الامكانية الثالثة فهي عندما نقوم بقراءة تعليمات لا تفيدنا، ولا تزيد معرفتنا بشيء، وانما يفرض علينا قراءتها.

في الحالتين أ و- ب فنحن نستعمل المادة المكتوبة من أجل تفاعل ناجع مع البيئة (تركيب الجهاز) أما  الحالة الثالثة فلا تنتمي الى عملية الوعي القرائي، لانه ، وحسب التعريف أعلاه، فان استعمال اللغة في مثل هذه الحالة لم يساهم في نجاعة التفاعل بين الفرد وبيئته أو بينه وبين ذاته.

 

الوعي القرائي في الطفولة المبكرة:

     ساد الشعور بأن فترة الطفولة المبكرة ( وهي الفترة الممتدة من الولادة حتى بداية المدرسة) هي فترة خاصة מורטוריום ويجب الاهتمام في الحاجات الانفعالية أكثر من التحصيل المعرفي، لذلك أعطيت أهمية قصوى للعب كوسيلة لاشباع الحاجات العاطفية لدى الاطفال. ومع مرور الوقت فقد اللعب من أهميته، نتيجة الضغوط التي رأت في فترة الطفولة المبكرة كفترة اعداد للمدرسة. مما أدى الى أعمال في صف البستان لا تتجاوب مع حاجات الطفل العاطفية، وانما أعدت للتجاوب مع الحاجة الى التأقلم للمدرسة. ومع ان هذه الحاجة هامة الا أن  الحاجة الرئيسية والأهم، هي مساعدة الاطفال في التطور والتكيف للعالم المركب الذي نعيشه. وبدون التجاوب مع هذا الامر لا يمكن للاطفال أن يسلكوا كما يجب في المدرسة أو في أي اطار آخر. لذلك فواجب أساسي على كل اطار تربوي هو تهيئة بيئة اجتماعية وتعلّمية داعمة، محفّزة وغنية. وفيها يكون للاشخاص البالغين دور أساسي في وظيفة الدعم والمشاركة التدخّلية، مما يساعد الاطفال على اكتساب أدوات حضارية متنوعة تمكنهم من تحقيق أهدافهم: فيجب ألا يكون الهدف الاساسي لصف البستان هو تحضير الاطفال للمدرسة وانما مساعدتهم على اكتساب أدوات تمكنهم من التطور عاطفيا وعقليا. ومن المفضل ألا تكون هذه الادوات معدّة للصف الاول وانما أدوات مساعدة لهم حاضرا ومستقبلا.

     من هنا يجب أن تصاغ الاسئلة، بالنسبة لتعلم القراءة في صف البستان، صياغة بديلة. فبدلا من أن نسأل "هل من المفضل تعليم القراءة في صف البستان؟" يجب أن نسأل: "هل من المفضل أن نتعامل مع الوعي للمادة المكتوبة في البستان"؟  وبدلا من : " كيف نعلّم القراءة في البستان"؟ يجب أن نسأل: " كيف، متى، وبأي حالات يستطيع الاطفال استعمال الأداة الحضارية المعبر عنها باللغة المكتوبة ؟  في أي حالات في البستان يطلب العمل بالوعي القرائي؟ ما هي الحالات التي يمكن بها الرفع من مستوى فعالية ما وتحويلها الى "حدث في الوعي القرائي؟ ما هي مميزات العمل القرائي بالنسبة للمجتمع الذي ينتمي اليه الاطفال؟ وما هي الظروف المناسبة والطرق الملائمة لاشراك الاهل في العمل على الوعي القرائي في البستان"؟

الجواب على جميع هذه الاسئلة مرتبط بالرؤيا الاساسية بأن: التربية هي مسار تدعيم للمتعلم ،  هذه الرؤيا معبر عنها أيضا بالتعريف الذي أعطيناه سابقا للوعي القرائي: أي انه من المفضل العمل على الوعي للغة المكتوبة فقط اذا كان هذا الامر يخدم حاجات الاطفال، وحسب مدى ادراكهم بأن هذا العمل هام بالنسبة لهم من أجل تحقيق أهدافهم.  وهذا يعني ان العمل على الوعي القرائي يجب أن يهتم بوحدات عمل ذات معنى للمتعلم. من المهم أن يكون هدف العمل واضحا للمتعلمين، أي أن يستطيع الاطفال فهم الاسباب لمثل هذا العمل بالنسبة لهم، ولا يدركونه على أنه جاء فقط لارضاء الكبار. مثلا: فعالية التصنيف، المنتشرة في البستان، والتي تتم حسب مقاييس اعتباطية هي فعالية ليست ذات معنى بالنسبة للطفل لانها غير مرتبطة بسياق معين. بخلاف عن ذلك، عندما يطلب من الطفل عملية تصنيف المواد المناسبة لتحضير سلطة الخضار مثلا.

     فيما يلي بعض الامثلة " لرموز على الورق" صدرت عن أطفال في الروضة والبستان في مناطق مختلفة وفيها تطبيق للتوجّه البيئي حسب النظرة الشمولية ·

 

 

 

جدول تخطيط أسبوعي

من النماذج أعلاه يمكننا التعرف على مدى تأثير الرموز غير الكلامية على تطوير الوعي القرائي لدى الاطفال. استعمالهم يمكّن الاطفال من: 1) توثيق "مسارات علمية" 2) متابعة جدول زمني 3) اعطاء تقرير عما يحدث، وبرمجة أحداث.  كما ويمكننا أن نرى بأن استعمال الاطفال لأي مادة كلامية يتم من خلال اختيارهم ورغبتهم في ذلك (كما في الامثلة III ، IV)

جوانب أخرى للعمل في الوعي القرائي في البستان:

 

     Coutney Cazden  (1981) تتحدث عن "الجانب الشفاف" و"الجانب المغلق" للغة.

يرى "الجانب الشفاف" بان اللغة أداة نستعملها ونرى من خلالها. وذلك عندما نستعمل اللغة كأداة تواصل (تشارك الفكر) ، أو كأداة للعمليات العقلية (توسيع الفكر)، وكأداة لحل المشاكل التي لا يمكن حلها بطريقة أخرى، أو عندما نستعملها كأداة للتواصل مع الذات (توجيه الفكر).

بينما في "الجانب المغلق" تكون اللغة هي نفسها موضوعا للاهتمام والتمعن: أي لا "ننظر بواسطتها"،  وانما "ننظر عليها" نبحثها ونحللها.

عندما نتعامل مع مضمون النص فاننا بهذا نستعمل "الجانب الشفاف"، ولكن عندما نحلل شكل النص أو القواعد الانشائية للنص، فاننا نتعامل مع "الجانب المغلق"للغة. المعرفة بأن للغة المكتوبة وظائف عديدة  تتعلق بالجانب الشفاف، بينما الاعتكاس لامكانية اختيار نوع النص الأكثر ملاءمة لمهمة معينة، يتعلق بالجانب المغلق.

هناك أبحاث علمية تثبت أن الاطفال في جيل مبكر جدا يكونون واعين للجانبين المذكورين.

من حيث "الجانب الشفاف" فان الاطفال يستوعبون الاشكال المختلفة لاستعمالات اللغة في بيئتهم ،المحكية او المكتوبة. ومما لا شك فيه بأن مدى انكشافهم لهذه الاستعمالات يؤثر على مدى تمييزهم بينها. مثلا التمييز الذي يقوم به الاطفال عندما يتحدثون عن قصة من التوراة فانهم يستعملون لغة التوراة. ومثال آخر أدهشني عندما زرت بستان أطفال في عيلبون، قام الاطفال بسرد قصة على المربية ، كانت قد قرأتها لهم مسبقا من كتاب، وكانت المربية تدوّن القصة حسب نصهم، وعندما انتبه الاطفال بان المربية تسجل ما يسردون، انتقلوا بسردهم، وبشكل تلقائي، من اللغة المحكية الى اللغة المكتوبة (هذا مع العلم انه في العربية يوجد فرق شاسع بين الاستعماليين).

     هذه الامثلة تدل على ان الاطفال يتعلمون التمييز بين الاشكال المختلفة لاستعمالات اللغة، حسب مدى انكشافهم عليها في مناسبات اجتماعية-حضارية مختلفة.

     كذلك الامر بالنسبة للرموز غير الكلامية، فمثلا نجد في الرسومات أعلاه بان هناك فرقا بين "رسم علمي" و"رسم خيالي". هناك رسم لنملة "علمية" ورسم لنملة "خيالية" حسب ما رسمت نفس الطفلة.

فبعد مشاهدة قام بها الاطفال في ساحة الروضة بعد هطول المطر الاول، طلب منهم توثيق ما رأوا، فقامت الطفلة برسم "سرب من النمل". هذا التوثيق يساعد الاطفال بعد فترة من الزمن في استعادة ما رأوا. هكذا يتعلم الاطفال من خلال "العمل المرتبط بالواقع" وظائف اللغة المكتوبة كأداة للتوثيق (الجانب الشفاف للغة)، كما ويتعلمون حسنات التوثيق وكيف يساعدهم ذلك في تحقيق أهدافهم.

أما النملة "الخيالية" فقد رسمتها الطفلة تعبيرا عن قصة لنملة غندورة. وعندما نقارن بين الرسمتين، نرى أمامنا شكلين من الاستعمالات للرموز المكتوبة، استعملتهما الكاتبة حسب أهدافها.

يمكننا أن نجد مثالا آخر في بحث "جروس وطوفال 2001) عن استعمال أداة التكبير (الميكرسكوب) بواسطة أطفال البستان، كوسيلة لحل المشاكل. طلب من الاطفال تسجيل الحلول التي يتوصلون اليها بواسطة رسومات "علمية"، وكذلك التعبير عنها شفهيا.

وجد الباحثان ان استعمال الرسومات "العلمية" يساعد الاطفال   للتعبير عن الحلول التي توصلوا اليها، بشكل أفضل. كما وجدا ان الاجابات التي أعطيت بواسطة الرسوم البيانية غير الكلامية، كانت ملائمة للتعبير الوصفي لما رأوا، بينما التعبير الشفهي كان ملائما أكثر للتعبير عن استنتاجات الاطفال.

من هنا توصل الباحثان الى ان استعمال الرسم "العلمي" من قبل الاطفال، يستطيع ان يكون وسيلة مساعدة للتعبير، التوثيق، والتواصل بين أطفال البستان بشكل عام، وبين الاطفال الذين لديهم صعوبة لغوية بشكل خاص.

في بحث طوفال (2000) عن ادراك مفهوم الزمن لدى أطفال الروضة والبستان، وجدت ان ثلث أطفال الروضة وثلثا أطفال البستان ينجحون في استعمال الرسم البياني غير الكلامي بالنسبة ل"جدول الاسبوع الزمني".

 

 

 عندما تتحدث المربية مع الاطفال عن مدى ملاءمة كل شكل من أشكال النصوص المختلفة لهدفه أو للظروف التي انتجته، عندها يكون هذا النقاش مرتبطا بالجانب المغلق للغة. أي اننا نناقش الاداة المستعملة نفسها. وكذلك عندما يطلب الاطفال من المربية مساعدتهم بكتابة كلمة، أو عندما يحاولون القيام بذلك بقواهم الذاتية عن طريق اعادة الكلمة عدة مرات وتقطيعها، عندها ايضا يتعاملون مع الجانب المغلق للغة.

وللتلخيص، نستطيع ان نقول ان الاطفال المتواجدين في بيئة ملائمة من حيث استعمالاتها للوعي القرائي، فانهم يستعملون الجانب الشفاف والجانب المغلق للغة في نصوص كلامية وغير كلامية.

يتضح لنا من الامثلة أعلاه أهمية النص غير الكلامي في مساعدة الاطفال على القراءة والكتابة، خاصة في الفترة التي لا يستطيعون بها استعمال الحروف الهجائية.

 

في الامثلة التالية نستطيع ان نرى كيف استطاع الاطفال تعلّم القراءة النقدية من خلال النص غير الكلامي:

في احد البساتين، عندما سردت المربية احدى القصص على الاطفال، اكتشف الاطفال ان هناك تناقضا بين الرسم والنص. عندها قرر الاطفال أن يرسلوا رسالة الى الكاتبة/الرسامة ولفت انتبهاها لذلك. قامت المربية بكتابة الرسالة حسب نص الاطفال، هنا انكشف الاطفا ل لشكل آخر من استعمالات اللغة (الرسالة). لكي يجدوا العنوان استعملوا دليل الهاتف، وهنا انكشفوا على امر آخر وهو ان الاسماء مسجلة في دليل الهاتف حسب الترتيب الابجدي (الجانب المغلق)، وطلب منهم تشخيص الصوت الاول لاسم العائلة (وعي نغمي) وترجمته الى حرف هجائي ( تطبيق المبدأ الهجائي).

يظهر لنا هذا المثال مرة اخرى، ان العمل في الوعي القرائي في البستان يدمج بين النصوص الكلامية والنصوص غير الكلامية، بين اشكال مختلفة لاستعمالات اللغة، بين الجانب الشفاف والجانب النغلق للغة.

لذلك فهذا المثال، والعديد غيره من الامثلة الموجودة في حياة الروضة والبستان، يمكّننا أن نجيب بايجاب على السؤال السابق: "هل يمكننا ان نستعمل اللغة المكتوبة في البستان"؟

انه مما لا شك فيه بان هناك العديد من الفرص والمناسبات التي يكون بها استعمال اللغة المكتوبة هاما لخدمة أهداف الاطفال في مجالات مختلفة، وفي مثل هذه الحالات فان استعمال اللغة المكتوبة ليس فقط مسموحا به، وانما مرغوبا.

وفي رأيي ان التعامل مع الوعي القرائي في هذه الظروف أمر مناسب لتطور الاطفال، والامتناع عنه في ظروف من شأنها أن تدّعم الاطفال، هو بحد ذاته الامر غير المناسب لتطورهم.

الاستنتاج، بان الامتناع عن التعامل مع الوعي القرائي في البستان لهو خسارة للطفل، اذ اننا بهذا نمنعهم عن استعمال أداة حضارية تغنيهم عاطفيا، عقليا واجتماعيا.

 

القيمة المضافة للتعامل مع الوعي القرائي:

                        ان انكشاف الاطفال الى اللغة المكتوبة في البستان وتحويلها الى أداة سهلة الاستعمال، له قيمة اضافية، حيث انه يمكّن الاطفال من التجربة المبكرة في الالتقاء مع اللغة في جو مريح وممتع. عندما يلتقي الاطفال مع مواد تعليمية في مرحلة مبكرة من حياتهم وفي ظروف جيدة، فان هذا الامر يضمن توفير بنية تعلمية ثابتة ويضاعف بعشرات المرات الدافعية للتعلم ويزيد من احتمالات النجاح المستقبلية لدى هؤلاء الاطفال، بالنسبة لنفس المضامين.

اثبت بحث هام عن ميزات القارئ الجيد، بانه ذلك الشخص الذي يكثر من القراءة. والطريقة الناجعة لزيادة التجربة مع القراءة هي خلق دافعية والامتناع عن استعمال وسائل ضارة بها. من المهم ان يصل الاولاد الى مرحلة التعليم الرسمي مع حماس لعملية القراءة، وذلك من خلال التجربة الايجابية في المراحل المبكرة.

 

توجه بيئي وتعدد حضاري:

                        احدى الاهتمامات الرئيسية للتوجه البيئي للوعي القرائي هي الاهتمام بالغربة التي يشعر بها مجموعات معينة من الاهل تجاه جهاز التربية والتعليم. يتذمر العديد من المربين /ات من عدم راحة بالنسبة لمدى تعاون الاهل. يوجد بذلك طابع اصدار الاحكام على الاهل.